-
ع
+

الاعتقاد القاتل وغياب الضمير

يحيى محمد 

كثيراً ما يجول في الذهن تساؤل عما يحدث من علة القتل الجماعي الوحشي الذي نشاهده والذي لا يفرق بين الصغير والكبير والمرأة والرجل، سوى الهوية.. ما الذي يدعو المسلم الى ان يضحي بنفسه من اجل حصد اكبر عدد ممكن من ارواح المسلمين وغيرهم من الابرياء بحجة الكفر والشرك وعدم الايمان وما اليها من دواعي دينية؟ فلا يعنينا هنا سائر ما يرتبط بها من دواعي سياسية او غيرها؟.. فهل يجد هذا القاتل اصلاً دينياً لما يقوم به؟ وبالاحرى هل يجد الآمر والمفتي بالقتل ما يبرر له جريمة قتله في تحريضه على القتل الاعتقادي؟ فما يعنينا هو الجانب المعرفي وتبرير هذه الجريمة النكراء بالحجة والدليل.

فكثيراً ما يجاب على ذلك بالرجوع الى بعض الايات والاحاديث من قبيل: ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ (البقرة\193).. فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ)) (التوبة\5).. الخ.

فالدليل الذي يستند اليه المفتي القاتل هو دليل بياني نصي. فهو من النوع الذي يمارسه ويستدل به الفقهاء، لكن مع وجود فارق عظيم.. فالقاتل اليوم لا يمارس البحث الفقهي، وهو البحث الذي يترصد الدلالات المتعارضة ليقيم فيما بينها شيئاً من التوازن والترجيح فينتهي الى النتيجة التي يظن بان النصوص دالة عليها، انما يمارس هذا القاتل نوعاً من الانتقاء الدلالي، وما اسهل ما يجده في النصوص؛ سواء في الحديث او القرآن.. فهو لا يهتم بالادلة المتعارضة، انما يكفيه الدليل من النوع الخاص ليلتزم به عن قطع ويقين.

وقد يقال لماذا نجد هذا الاعتقاد دونما نجد ما يقابله من الاعتقاد المسالم، وبالاسلوب والطريقة ذاتها؟

الجواب هو ان واقعنا يشهد كلا الاعتقادين معاً وبنفس الطريقة من الاستدلال الانتقائي، لكننا نغض الطرف عن الاعتقاد المسالم، وكثيراً ما نمجده ونؤيده، فيما نعاني من الاعتقاد القاتل باعتباره مدمراً، والا فكلاهما يجد حجته في القرآن والحديث.

وقد يكفي الاعتقاد القاتل يقيناً ما يجده في القرآن من الدلالات الواضحة الخاصة بقتل المشركين، وهو يعمم ذلك احياناً على قتل غير المؤمنين وان كانوا ضمن المذهب الواحد، لكن مبررات هذا الاعتقاد كثيراً ما تعول على التكفير والشرك، وان من يقوم بقتلهم تنطبق عليهم هذه الصفة، فهم يعبدون الاوثان والاصنام من قبور الائمة والصالحين. فاول مقاربة يجدها القاتل هي التشابه الحاصل بين ما يقوم به المشركون وما يقوم به الكثير من المسلمين اليوم، وهو التوجه الى غير الله في العبادة وقضاء الحاجات. وعادة ما يلجأ في هذا الدليل الى ما طرحه ابن تيمية من عقيدة ملزمة يكفر او يضلل من يخالفها، وعلى رأسها عقيدة التوحيد وتقسيمه الى توحيد الالوهية والربوبية..

ونعتقد ان هناك مناخاً نفسياً يساعد على فعل التكفير والقتل، وايضاً انه يتخذ ذريعة معرفية لهذا الفعل وفقاً لبعض الاستنتاجات.. وقد يكون هو اشد تأثيراً من الصياغة المعرفية المؤدية الى التكفير ذاته.. بمعنى ان القاتل يبرر فعل الجريمة بطرح معرفي، وان كانت دوافع القتل الحقيقية تعود الى الكره والحقد النفسي، ومبرراتها متعلقة بالموقف من صحابة النبي الاكرم وامهات المؤمنين كالذي يشهده عصرنا المضطرب اليوم.

فالمشكلة الاساسية لاهل السنة مع الشيعة تتعلق بهذه القضية دون غيرها في الغالب. اذ لا تعد بقية العقائد المختلف حولها موضع استفزاز، كما ان الكثير منها قد يقبل الحل، او يجد ما يعادله لدى السنة. فارتباط الشيعة بالائمة والاعتقاد بعصمتهم وكراماتهم وعلومهم الغيبية يجد ما يقابله لدى صوفية السنة، كذلك فان اتهام الشيعة بمقالة تحريف القرآن يبطله بأن اغلب المتأخرين وبعض المتقدمين لا يقرون التحريف، وانه لا يوجد للشيعة ما يتعبدون به من قرآن آخر غير هذا القرآن. ورغم وجود مصحف مخطوط محرف وايات محرفة بحسب الروايات، ومثل ذلك ما يُذكر حول مصحف فاطمة، فانها جميعاً لم تؤثر على تعبد الشيعة بهذا القرآن وابطال ما سواه، او تأويل ما ورد حوله. كما في القبال ان لدى السنة ما يؤكد بان المصحف الرسمي للقرآن لا يمثل كل ما انزل من القرآن، وان هناك روايات سنية تؤكد بان كلمات الايات وبعض السور فيها شيء من الاختلاف مقارنة بما موجود في المصحف الرسمي. اما اتهام الشيعة بانهم يألهون ائمتهم فهو تعميم ينافي غالبية ما يراه الشيعة، بل انهم صريحون بانهم عباد مكرمون اصطفاهم الله على العالمين، وهم اقل رتبة من نبينا محمد (ص)، وكل ذلك يشابه نسبياً ما يوليه الكثير من السنة لأوليائهم الصوفية، او ما يوردونه احياناً من روايات حول الخليفتين ابي بكر وعمر. في حين ان سائر الاعتقادات الاخرى كالرجعة وولادة الامام المهدي وبقائه حياً حتى اليوم، فكلها من الاعتقادات النظرية التي ليس لها لوازم تستفز المقابل. ومثل ذلك ما يرد في الفروع كالقول بالمتعة وما اليها، فهي ايضاً ليست بدعة ابتدعها الشيعة، بل كانت ممارسة في عصر النبي، انما الخلاف حول تحريمها فيما بعد ان كان ثابتاً ام لا، مع ان بعض الصحابة بقي متمسكاً بها وان بعض الروايات في الصحاح تشير الى ان من حرمها هو الخليفة عمر بن الخطاب وليس النبي، وإن كان اغلب الروايات تؤكد العكس، اضافة الى ان لها ما يقاربها من زواجات لدى بعض المذاهب السنية، ومن ذلك الزواج بنية الطلاق، وكزواج المسيار وغيره. وقد ظهر في ايامنا الحالية من يحلل نكاحاً مبتدعاً يثير الاشمئزاز هو نكاح المجاهدة الذي تم التشريع له من قبل بعض الطائفيين المتعصبين وسط الحرب الدائرة اليوم في سوريا.

هكذا لو استقرأنا كل مسائل الخلاف بين الشيعة والسنة فسنجد انها جميعاً قابلة للنقاش العلمي دون استفزاز باستثناء المسألة التي تجرّم كبار الصحابة وعلى رأسهم الخليفتين ابي بكر وعمر. فهي المسألة الكوؤد التي تجعل من السنة يخشون التعامل مع الشيعة لقداسة الموقف. فلو كان اهل السنة نواصب يكيدون لاهل البيت العداء واللعن لما وجدنا شيعياً يتقبل مدّ يد التقارب اليهم، بل لرأينا الفتاوى تنهال عليهم بالتكفير والتضليل وربما القتل ايضاً كما هو معلوم من الفتاوى المسلم بها سلفاً.

ولدى الشخصيات المتطرفة تزداد قائمة مبررات التكفير، مثل عدد من تلك التي عرضناها قبل قليل، وشاهد ابن تيمية في دمغ الشيعة وغيرها بهذه الوصمة ليس ببعيد، وقد اعتمد عليها المكفرون او ذوو الاعتقاد القاتل.. فكما يعدد مبررات التكفير ضمن نصه الشهير الذي ورد ذكره في كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول) فيقول: ان من يزعم «ان علياً اله او انه كان هو النبي وانما غلط جبريل في الرسالة، فهذا لا شك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره. وكذلك من زعم منهم ان القرآن نقص منه ايات وكتمت، او زعم ان له تأويلات باطنة تسقط الاعمال المشروعة ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون القرامطة والباطنية ومنهم التناسخية، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم».. ومثل ذلك من زعم ان الصحابة «ارتدوا بعد رسول الله الا نفراً قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفساً، او انهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب ايضاً في كفره، فانه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضى عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فان كفره متعين، فان مضمون هذه المقالة ان نقلة الكتاب والسنة كفار او فساق وان هذه الامة التي هي (كنتم خير امة اخرجت للناس) وخيرها هو القرن الاول كان عامتهم كفاراً او فساقاً ومضمونها ان هذه الامة شر الامم وان سابقي هذه الامة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الاسلام، ولهذا تجد عامة من ظهر عنه شيء من هذه الاقوال فانه يتبين انه زنديق، وعامة الزنادقة انما يستترون بمذهبهم، وقد ظهرت لله فيهم مثلات، وتواتر النقل بان وجوههم تمسخ خنازير في المحيا والممات وجمع العلماء ما بلغهم في ذلك، وممن صنف فيه الحافظ الصالح ابو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي كتابه في النهي عن سب الاصحاب وما جاء فيه من الاثم والعقاب»1.

ويتضمن هذا النص التكفير لقضايا لا تستوجبه، بل حتى لو كانت مترتبات هذه القضايا تفضي الى الكفر كما يحاول النص ابرازها فان ذلك لا يستدعي التكفير للقاعدة الشهيرة (لازم المذهب ليس بمذهب). فالطعن في الصحابة وتكفيرهم ومثله القول بتحريف القرآن الكريم كثيراً ما يأتي لدواع دينية صرفة، فكيف يتهم من يلجأ الى هذه الدواعي بتكفيره فيها، ففي ذلك تناقض واضح، فقد عُرف الخوارج بانهم اولى الفرق المكفرة لبعض الصحابة، لكن تكفيرهم كان لدواع دينية، فهم من اعبد الناس وازهدهم، فكيف يكفرون في الايمان الذي يدينون به وينتصرون اليه؟

على ذلك فان تكفير الصحابة او تضليلهم، ومثل ذلك القول بتحريف القرآن وان هناك مؤامرة شارك فيها جمع من الصحابة لنيل الزعامة.. ان هذه الاراء هي اراء دينية خالصة وليست زندقة، رغم اعتقادنا الكامل ببطلانها وان من مترتباتها الفساد والمفارقات فضلاً عن انها دعوى كثيراً ما يستغلها العلمانيون الذين يستدلون على فشل الدين وزيفه. لكن كل ذلك يدل على الخطأ والبطلان لا التكفيرالمخرج من الملة، والا فالتكفير سيفضي الى التناقض ذاته.

وعلى خلاف ظاهر النص السابق نجد في كتب ابن تيمية المتأخرة دلالات لا تحصى على صحة اسلام اصحاب البدع كالامامية وما اليها، حتى انه اجاز الصلاة خلفهم، ومما قاله بهذا الصدد كما في (منهاج السنة): «ان الامامية مع فرط جهلهم وضلالهم فيهم خلق مسلمون باطناً وظاهراً ليسوا زنادقة منافقين لكنهم جهلوا وضلوا واتبعوا أهواءهم»2.. وقال ايضاً في (مجموع الفتوى): «وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين ـ من الرافضة والجهمية وغيرهم ـ إلى بلاد الكفار، فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفاراً»3.

والخلاف الحاصل بين النص المذكور في (الصارم المسلول) وبين سائر كتب ابن تيمية قد يجد له حلاً عبر ما اشار اليه الاخير في مناسبات عديدة من الفارق بين الحكم بتكفير المطلق وتكفير المعين، وان احدهما لا يستلزم الاخر، فقد يوصف كل من يفعل شيئاً دالاً على الكفر بانه كافر، لكن ذلك لا يقتضي تكفير شخص معين يفعل ذلك الشيء بالضرورة، اذ هناك شروط للتكفير وموانع قد تصدق في حق الشخص او الجماعة المعينة. وعادة ما يورد اختلاف النقل حول موقف بعض رجالات السلف من اصحاب البدع، ومن ذلك ما ينقل عن الامام احمد بن حنبل في تكفير أهل البدع مطلقاً على روايتين، ومثل ذلك في قتل المقدور منهم، وفي تخليدهم في النار.

وقال ابن تيمية بهذا الصدد: «وحقيقة الأمر‏:‏ أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشارع، كلما رأوهم قالوا‏:‏ من قال كذا فهو كافر، اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع.‏.»4‏.‏

وينطبق ما سبق ذكره على التخليد في النار، فهو اشار الى ان للعلماء قولين مشهورين «وهما روايتان عن أحمد‏.‏ والقولان فى الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم‏.‏ والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضاً.‏ وقد ذكرت دلائل ذلك في غير هذا الموضع، لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار، موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه‏.‏ فإنا نطلق القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق ولا نحكم للمعين بدخوله فى ذلك العام حتى يقوم فيه المقتضى الذي لا معارض له، وقد بسطت هذه القاعدة في ‏(‏قاعدة التكفير‏)»‏‏.‏ ومما يستشهد به على ذلك ما جاء في رواية من «ان رجلاً كان يشرب الخمر وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما أتي به إليه جلده الحد فأتي به إليه مرة فلعنه رجل وقال ما أكثر ما يؤتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله، فنهى عن لعن هذا المعين المدمن الذي يشرب الخمر وشهد له بأنه يحب الله ورسوله مع لعنة شارب الخمر عموماً»5.

كذلك قرر بان قتـل الواحد المقدور عليه من الخوارج كالحرورية والرافضة ونحوهم هو ايضاً فيه قـولان للفقهاء، هما روايتان عـن الإمام أحمد‏.‏ وعلى رأيه أنه يجوز قتل الواحد منهم، كالداعية إلى مذهبه، ونحو ذلك ممن فيه فساد‏.‏ واستشهد عليه ببعض الروايات النبوية وسيرة بعض الخلفاء الراشدين.

ومما يلاحظ على طريقة ابن تيمية هو انه كان شديد المؤاخذة والتحامل على من يصفهم بالرافضة، وهم بحسب تصنيفه ثلاث فرق او اصناف: المغالون والامامية والزيدية. لذلك يصفهم باقذع الاوصاف والنعوت، حتى يخيل للقارئ بأنها ماهيات ثابتة لا تتغير، الامر الذي نجده في قراءات السلفية المعاصرة اليوم نتيجة هذه التحديدات الثابتة، سواء على مستوى الاعتقاد او السلوك والاحوال النفسية، رغم اختلاف العقائد بين رجال الامامية انفسهم، واحياناً تطورها عبر الزمن، كما في بعض القضايا المتهمين فيها، ومنها مسألة القول بتحريف القرآن، فهي من المسائل التي اختلف حولها قدماء الامامية وقد تطور الحال اليوم الى اننا من الصعب ان نجد عالماً يلتزم بها غير الاخبارية، وهي من الفرق التي تكاد تنقرض. ومع ذلك يتداول السلفية اليوم مسألة التحريف لدى الشيعة كثوابت، واحيانا يُتهمون بحملهم لقرآن غير هذا المتعارف لدى المسلمين كافة.. كذلك مسألة عصمة الائمة فهي ايضاً كانت من المسائل الاعتقادية المختلف حولها لدى الشيعة القدماء، وقد يكون التيار الاقوى آنذاك هو من يميل الى عدم العصمة، ثم انقلب الحال فيما بعد.. ومع هذا فكثيراً ما يُدمغ الشيعة بمثل هذه المعتقدات وكأنها من لوازم المذهب الثابتة والاصول الراسخة، حتى ان ابن تيمية نفسه يرى ان القول بعصمة الائمة هو من اصول هذا المذهب، وهو خلاف الواقع6. وذات الشيء يجري فيما يخص عقائد اهل السنة من وجهة نظر الكثير من الشيعة. وعادة ما تتبادل الاطراف المتنازعة اتهام بعضها للبعض الاخر من دون تحقيق علمي صادق ومحاولة تفهم ما يقوله الطرف المقابل.

وشخصياً كثيراً ما كنت اتعرض الى اسئلة عند زياراتي لبلاد المغرب حول صحة ان يكون للشيعة قرآن اخر غير هذا المتداول بين المسلمين؟ وحول اعتبار ضريح الحسين قبلة يتوجه اليها الناس للطواف والصلاة على نحو التعيين؟ وانهم يعبدون الحجارة عبر السجود عليها، بل ويرددون خان الامين ثلاث مرات عند الانتهاء من الصلاة؟.. الى غير ذلك من الاسئلة التي اسمعها - واصبحت مألوفة لدي - حتى من بعض اساتذة الدراسات الاسلامية والعربية في الجامعات.

هذا من جهة الاعتقاد، أما من جهة الاحوال النفسية والسلوكية فقد وصف ابن تيمية الرافضة بابشع الاوصاف واسوء الاحوال مقارنة ببقية المذاهب، وظل هذا الوصف يتابعه السلفية كثوابت وماهيات من دون تحقيق، بل ومن دون لحاظ الاختلاف وسنة الله في خلقه من وجود الخير والشر والحسن والقبح لدى كل فرقة وشعب وملة وقومية، وانه لا ضرورة تقتضي دون تطور الامم واحوالها ومذاهبها. فهو يصف الرافضة باوصاف مطلقة من الكذب والجبن والغدر والاستعانة بالكفار على المسلمين، ويستشهد على ذلك بما فعلوه خلال عصره من الجرائم والاستعانة بالعدو والكفار على المسلمين7. كما يخصص للامامية مثل هذه الاوصاف المطلقة فيرى فيهم ان الكذب والجهل والتكذيب بالحق الذي اختصوا به لم يشركهم فيه أحد من طوائف الأمة8. وهو يعمم صفة الجهل على الامامية فيراهم كما في مقدمة منهاج السنة«من أكذب الناس في النقليات ومن أجهل الناس في العقليات، يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل، ويكذبون بالمعلوم من الأضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلاً بعد جيل، ولا يميزون في نقلة العلم ورواة الأحاديث والأخبار بين المعروف بالكذب أو الغلط أو الجهل بما ينقل، وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم بالآثار، وعمدتهم في نفس الأمر على التقليد وإن ظنوا إقامته بالبرهانيات، فتارة يتبعون المعتزلة والقدرية وتارة يتبعون المجسمة والجبرية وهم من أجل هذه الطوائف بالنظريات، ولهذا كانوا عند عامة أهل العلم والدين من أجهل الطوائف الداخلين في المسلمين»9..

كما يكرر هذا التحامل ويصف الرافضة بأصنافها غاليها وإماميها وزيديها «ليس في جميع الطوائف المنتسبة إلى الإسلام مع بدعة وضلالة شر منهم؛ لا أجهل ولا أكذب ولا أظلم ولا أقرب إلى الكفر والفسوق والعصيان وأبعد عن حقائق الإيمان منهم.. وهؤلاء كفّروا الأمة كلها أو ضللوها سوى طائفتهم التي يزعمون أنها الطائفة المحقة وأنها لا تجتمع على ضلالة فجعلوهم صفوة بني آدم»10.

وحقيقة الامر ان مختلف المذاهب وليس فقط الرافضة والشيعة من سلك مسلك التضليل والتكفير. فجميع المذاهب المعروفة استندت الى حديث الفرقة الناجية وضللت جميع الفرق دونها، كما كفرت بعضاً منها. فالتضليل والتكفير كان ديدن المذاهب ولا يختص بالشيعة، وهم من الناحية العملية يتعاملون مع الاخرين من موقع التضليل لا التكفير المخرج من الملة، وكثيراً ما يميزون بينهم وبين غيرهم عبر التمييز بين الايمان والاسلام، بل ان هذا التمييز جار حتى في وسط من ينتمون الى المذهب، فالذي لا يلتزم بالفرائض الدينية لا يعتبر مؤمناً حتى ولو كان من المعتقدين الموالين لأهل البيت تماماً. وفي الوسط الشيعي تجد منهم المتطرف ذا اللهجة الغليظة والمكفرة كما تجد المعتدل لا سيما في ايامنا الحالية. فمن المتطرفين ما ذهب اليه الشيخ محمد حسن النجفي قبل حوالي قرن ونصف في كتابه الشهير لدى الاوساط الحوزية (جواهر الكلام) والذي يتخرج عليه العلماء والمجتهدون، بجعل اهل السنة أشر من النصارى وانجس من الكلاب... وكما قال: ان هجاء المخالفين (اهل السنة) على رؤس الاشهاد هو «من أفضل عبادة العباد ما لم تمنع التقية، وأولى من ذلك غيبتهم التي جرت سيرة الشيعة عليها في جميع الأعصار والأمصار علمائهم وأعوامهم، حتى ملأوا القراطيس منها، بل هي عندهم من أفضل الطاعات، وأكمل القربات فلا غرابة في دعوى تحصيل الإجماع، كما عن بعضهم، بل يمكن دعوى كون ذلك من الضروريات، فضلاً عن القطعيات.. لكن لا يخفى على الخبير الماهر الواقف على ما تظافرت به النصوص، بل تواترت من لعنهم وسبهم وشتمهم وكفرهم وانهم مجوس هذه الأمة، واشر من النصارى وأنجس من الكلاب». وهو في معرض رده على بعض العلماء المعتدلين من الشيعة اردف قائلاً: «وكيف‌ يتصور الاخوة بين المؤمن والمخالف، بعد تواتر الروايات وتظافر الآيات، في وجوب معاداتهم، والبراءة منهم.. وما أبعد ما بينه وبين الخواجه نصير الدين الطوسي والعلامة الحلي وغيرهم ممن يرى قتلهم، ونحوه من أحوال الكفار، حتى وقع منهم ما وقع في بغداد ونواحيها.. إذ لا أقل من أن يكون جواز غيبتهم لتجاهرهم بالفسق، فان ما هم عليه أعظم أنواع الفسق بل الكفر، وإن عوملوا معاملة المسلمين في بعض الأحكام للضرورة»11.

ولهذا الرأي نظير لدى المتطرفين في الوسط السني، فمنهم من يعتبر الشيعة اشر من اليهود والنصارى.. والعجيب ان هذه الماهيات غير واردة في الواقع، فليس اليهود ولا النصارى باشرار، ولا المسلمين ايضاً، بل نجد الاشرار والاخيار في جميع هذه الملل ولدى كافة الاعراق والاوطان.. وهي من سنن الله في خلقه، لذلك كان القرآن الكريم لا يتقبل ادعاء الدين الناجي والفرقة الناجية، فهو يعترض على من يزعم من اليهود والنصارى بانهم الناجون دون غيرهم، مثلما يعترض على جهلة المسلمين بذات المعيار، وهو قوله تعالى: ((وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ))12. فمعيار النجاة هو الايمان بالله والعمل الصالح، وان اكرم الناس عند الله اتقاهم من دون فرق بين مسلم وغيره، كما هو واضح مما جاء في العديد من الايات الكريمة13.

اتذكر في وقت الشباب انه زارني صديقان مخلصان من مشايخ لبنان وكنت مقيماً في مدينة قم الايرانية، وقد دار الحديث حول المذاهب الاسلامية، فقال احدهما – وقد توفي رحمه الله تعالى بحادث طائرة منذ سنوات – انه يجزم بان ليس هناك مخلص واحد وسط اهل السنة جميعاً. وكأنه اعتبر ذلك خلافاً لعدالة الله تعالى في جعل الاخلاص منحصراً لدى الامامية الاثنى عشرية باعتبارها الفرقة الناجية حسب اعتقاده. وحينها لم اتقبل منه هذا الرأي واعتبرته خلاف الواقع الباين وضوح الشمس للعيان، وايدني في ذلك الشيخ الاخر، وهو من الذين ينهجون اليوم منهج التقريب بين المذاهب، حفظه الله تعالى ووفقه لما يصبو اليه.

لذا فما ينقصنا هو الانصاف وتفهم ما لدى المقابل مع احترام الرأي وعدم التجريح والمساس بالاخر قدر المستطاع، فمثل هذه الامور هي ما تحدد قيمة المرء دون دينه وعرقه وطائفته.

ففي كل طائفة وفرقة ودين تجد من يتصف بالغلظة والشدة والطبائع النفسية الحادة، وانه لا يفهم من الحياة الا ما يضيق، ومن ذلك تضييق النصوص، وهم يشكلون بهذا التماهي اتجاهاً واحداً وان توزع بين الفرق والطوائف والاديان. وفي قبال هؤلاء تجد من يتصف باللين والانشراح والانفتاح رغم تفرقهم بين الاديان والطوائف. والفارق بينهما هو ان فئات الاتجاه الاول تتصف باعظم حالات العداء والكراهية فيما بينها، فهي تشكل اقطاباً متنافرة حتى وإن اتحدت مواقفها ازاء الكثير من قضايا الواقع كما يحصل احياناً، بل ورغم انها قد تتظلل تحت سقف عقيدة مشتركة اساسية، خلافاً لفئات الاتجاه الثاني التي تتصف بالانفتاح والتعاطف والتفاهم حتى وإن بدا الخلاف فيما بينها عميقاً، وهو ما لا يحصل بين المتسامح والمتشدد ضمن الطائفة الواحدة.

وغالباً ما يأتي التأثير على عامة الناس من قبل اولئك المتشددين دون المعتدلين، فالاتجاه الاول يمارس الضغط النفسي على الناس، فيما يمارس المعتدلون الضغط العقلي، وهو اصعب وأقل فاعلية على الأتباع من الاول. لذلك نجد المعتدلين في الوسط السني والشيعي ليس لهم ذلك التأثير على الأتباع في قبال شحن المتطرفين، لا سيما وسط الضجيج والعراك الطائفي المتسع مع تطور وسائل الاتصال الاعلامي باضطراد.

لا شك ان لغة ابن تيمية تعود الى هذا الوسط المتطرف، وقد شجعته على ذلك الظروف الصعبة التي عاصرها رغم عمق اخلاصه وتدينه. وقد حاول ان يظهر بمظهر اخر في بعض كلماته في (منهاج السنة)، اذ اعتبر اهل السنة هم الوحيدين المنصفين الذين لا يظلمون المخالفين ولا يكفرونهم، فعلى حد قوله: ان اهل السنة (ويقصد بهم الاتجاه السلفي بالذات) يستعملون مع المخالفين «العدل والإنصاف ولا يظلمونهم، فإن الظلم حرام مطلقاً كما تقدم، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض، وهذا مما يعترفون هم به ويقولون أنتم تنصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضاً، وهذا لأن الأصل الذي اشتركوا فيه أصل فاسد مبني على جهل وظلم، وهم مشتركون في ظلم سائر المسلمين فصاروا بمنزلة قطاع الطريق المشتركين في ظلم الناس، ولا ريب أن المسلم العالم العادل أعدل عليهم وعلى بعضهم من بعض.والخوارج تكفر أهل الجماعة، وكذلك أكثر المعتزلة يكفرون من خالفهم، وكذلك أكثر الرافضة ومن لم يكفر فسق، وكذلك أكثر أهل الأهواء يبتدعون رأياً ويكفرون من خالفهم فيه، وأهل السنة يتبعون الحق من ربهم الذي جاء به الرسول ولا يكفرون من خالفهم فيه، بل هم أعلم بالحق وأرحم بالخلق كما وصف الله به المسلمين.. وأهل السنة نقاوة المسلمين فهم خير الناس للناس»14.

لكن هذا النص لا يعكس الروح العامة لدى كتب ابن تيمية بما في ذلك كتابه الذي يتضمن هذه الاشارة المضيئة، فعباراته ونقوله عن السلف مليئة بالحدة والغلظة وحتى التكفير، ولو بصيغة المطلق، حتى شكلت علامات فارقة مقارنة باغلب المذاهب الاخرى. وكان لذلك من التبعات ما لم نره لدى سائر المذاهب كالاشاعرة مثلاً.

وكثير من الاحيان نتفهم حال الغلظة عندما يكون الامر متعلقاً بمس المقدسات كرد فعل متطرف على الشيعة نتيجة طعنهم الجذري في كبار الصحابة وامهات المؤمنين.. وما زالت الساحة اليوم ساخنة بهذين النحوين من التطرف، ويتحمل العلماء الساكتون قسطاً كبيراً من المسؤولية لعدم ادانة التجريح والجرائم التي يرتكبها اتباعهم من نفس المذهب.

لا شك ان الفتاوى المكفرة، كتلك التي عرضناها سابقاً، لها علاقة وطيدة بالفتوى القاتلة المعاصرة، فقد تطور الحال من فتاوى التفريق بين كفر المطلق وكفر المعين الى فتاوى الابادة والتكفير الشمولي لدى الكثير من الشباب السلفي والشيوخ، وهو ما سيولد ردود فعل مماثلة. واصبحت الأمة بهذه الافعال شرّ أمة كرهها الناس بعدما كانت خير أمة أُخرجت للناس. ومع ان الله تعالى اراد لها ان تكون أمة الاسلام والسلام بحق؛ فاذا بها تنقلب الى أمة الكفر والحرابة بتكفير وقتل بعضها للبعض الاخر.

لقد اصبح القاتل المعاصر يبني تكفيره على طوائف بعينها ولا يفرق بين شرائح الطائفة الواحدة، والكل محكوم عليه بالقتل والموت.. وبالتالي ففتوى القاتل المعاصر هي تطوير لفتوى ابن تيمية وتجاوز لها في الوقت ذاته، رغم ما آل اليه الاخير من عدم تكفير احد من اهل القبلة كما نقل عنه تلميذه الحافظ الذهبي عند اطلاعه على ما قاله الاشعري في اواخر حياته.

فقد قال الذهبي: «رأيت للأشعري كلمة أعجبتني وهي ثابتة رواها البيهقي، سمعت أبا حازم العبدوي ، سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: اشهد علي أني لا أكفر [ أحداً ] من أهل القبلة; لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات. قلت: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم»15.

وعلى شاكلة هذه الاضاءة ورد في هامش الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني (طبعة حيدر آباد، ج2، ص72) ما لفظه بخط السخاوي: «قال لي شيخنا تغمده الله برحمته - ابن حجر -: انه بلغه ان ابن المطهر (الحلي) لما حج اجتمع هو وابن تيمية وتذاكرا، واعجب ابن تيمية كلامه، فقال له: من تكون يا هذا؟ فقال: الذي تسميه ابن المنجس، فحصل بينهما انس ومباسطة»16.

ومعلوم ان ابن تيمية كتب كتابه (منهاج السنة) للرد على كتاب ابن المطهر الحلي (منهاج الكرامة)، ووصفه في مقدمة كتابه بالنجاسة بدل الطهارة. لذلك عرّض به الحلي بحسب النص الانف الذكر.

***

لا شك ان الآلية المعتمدة للوصول الى نتائج الاعتقاد القاتل هي آلية الفهم البسيط، لكن جذورها لم تكن بسيطة. فهي تقوم على نوعين من الركائز، احدهما يعود الى التفكير البياني، فيما يعود الاخر الى مجمل التفكير الاسلامي، وكلاهما يحظى باهمية بالغة، ويتقاسمان وزر مسؤولية ما يحصل اليوم من جرائم اعتقادية على ارض الواقع. وهو ما سنعرضه كالتالي..

1ـ مسؤولية النهج البياني

لنبدأ اولاً بالركائز البيانية، فالتفكير البياني هو تفكير قائم على تتبع النصوص الدينية مع تجنب المصادر المعرفية الاخرى التي يمكن ان تؤدي دورها في التأثير على النتائج، كالمصدر العقلي وما اليه. وهو ما يمارسه الفقهاء بجدارة، حيث يحتكمون الى النصوص الدينية ويوازنون فيما بينها عند التعارض والجمع، وقد يرجحون بعضها على البعض الاخر وفقاً لعدد من القواعد الاصولية. والبحث الذي يقوم بهذا الدور من الكفاءة العلمية يعتبر داخلاً ضمن عملية الاجتهاد. ولا يسمح عادة لكل فرد ان يمارس هذا الدور ما لم يكن ضليعاً بمثل هذا التنقيب والبحث والدراية والعلم بالاصول وكيفية التوازن بين النصوص او الادلة المتعارضة. فهذه كانت طريقة الفقهاء، وهم يشددون على ان الفتوى امر خطير للغاية لا ينبغي الاقتراب منها الا لمن له صلاحية علمية ودينية من الايمان والتقوى.

لكن مشكلة هذا التفكير هو بسط النصوص واسقاطها على واقع مغاير، وهو الجانب المتعلق بالاجتهاد في الموضوع ان كان ينطبق عليه حكم النص ام لا؟. فلم يولِ الفقهاء هذا الجانب عناية من البحث، لاعتقادهم ان تحديد الموضوع يتعين بالنص او العرف الخاص بزمن الرسالة، وهو ثابت لا يتغير. وكما يرى بعض الفقهاء من امثال الشاطبي ان الشريعة ثابتة لثبات العوائد الوجودية التي تتعلق بها الاحكام غالباً17. وهذه هي نقطة ضعف الطريقة الفقهية، اذ لم يدرجوا ضمن عناصر الموضوع سياق الاحوال والظروف الملابسة له، وانما اخذوه على اطلاقه في الغالب. وبالتالي فقد تعامل الفقهاء مع الاحكام في علاقتها بالموضوعات وفقاً للنهج الماهوي او التعبدي، اذ افترضوا ان موضوعات الاحكام منقطعة عن ملابسات الواقع واحواله، ومن ثم كانت الاحكام ثابتة مع ثبات هذه الموضوعات. كما انها بحسب النهج البياني واضحة ومفصلة، الامر الذي دعا الى خلق ثقافة ما سميناه (الفوضى الاستنباطية) وخطابات التكفير والشحن والتضليل18.

وفي موضوعنا المطروح يفتش الفقيه عن عناصر موضوع الكفر والشرك الاساسية وهي منزوعة عن الواقع الخاص بعصر النبوة وفق النهج الماهوي التعبدي، ومن ثم يجد ما يماثلها لدى الفرق الاسلامية فيطبق حكم التكفير عليها بشكل او باخر. فهو يستنسخ احكام النص معزولة عن سياقاتها الخاصة ويطبقها على واقع مغاير تماماً. وقد روي انه سئل نافع: كيف رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: يراهم شرار خلق الله، انهم انطلقوا إلى آيات انزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين19.

ومع اننا نجد في نزعة التمييز بين تكفير المطلق وتكفير المعين شكلاً مخففاً للحكم، اذ يبدي هذا الحال انه يراعي طبيعة ما عليه الواقع، الا ان طبيعة الموضوع وحساسيته يجعل منه فكراً يجانب الصواب، فخطورته تنبع من الوسط الذي يتعامل معه. وقد كان ابن تيمية يورد هذا المعنى وهو بصدد الطعن في بعض المذاهب الاسلامية دون ايراده باطلاق وبمعزل عن كل فئة ودين. وبالتالي فاذا كان الاصل هو التكفير، فان من التناقض والخطأ عندما يطبق على المسلمين، وكان يمكن ان يكون له معنى فيما لو طبق على اقوام ظاهرهم يتميز بالشرك والكفر، فيكون الحكم بتكفير المطلق مع لحاظ حالات الموانع في التعيين، ومن ثم فعندما تطبق هذه القاعدة على الطوائف الاسلامية يكون الخطأ في الحكم على المطلق باعتبار ان المسألة اصبحت مجردة عن واقع الحال، وهو واقع يشهد بالاسلام جملة وتفصيلاً فكيف يطبّق عليهم ما هو نقيض ذلك تماماً؟!

صحيح ان المشرع الديني قد يفعل هذا الشيء من التمييز لدواع تربوية للجماعة الاسلامية، او لتعاليه على جميع الفرق والجماعات، او لكون الطرح الوارد فيه هو طرح غير ممنطق كالذي كشفنا عنه في (جدلية الخطاب والواقع)، لكن كل هذه الخصائص لا تنطبق على حال اصحاب التمييز. فهم خلافاً للخطاب الديني يتصفون بالتمنطق، كما انهم ليسوا متعالين على غيرهم من الفرق والمذاهب، يضاف الى ان القاعدة المذكورة موضوعة ليس للجماعة التي يتزعمونها ليكون مفعولها تربوياً، بل مطروحة للجماعات المقابلة، ومن ذلك يستشهد ابن تيمية بما ينقل عن الامام احمد بن حنبل وغيره حول تكفير بعض المذاهب الاسلامية ويأول المنقول وفق قاعدة التمييز المذكورة.

لذا كان الاولى ان تتبدل قاعدة التكفير الانفة الذكر الى الاسلمة، وهي ان يجرى التمييز بين اسلمة المطلق واسلمة المعين عوض التكفير، او ان الاصل هو الاسلام والمحبة والتعاون لا الكفر والكره والعداء.

فقد نعبر عن ظاهرة لا تخلو من الشرك وسط ممارسات المسلمين بتعبيرين يختلفان في المعنى تمام الاختلاف، مثل ان نقول حول التعلق بالاسباب غير الطبيعية: (ان من استغاث بغير الله مشرك)، وان نقول: (ان الاستغاثة بغير الله لا تخلو من الشرك). فالعبارة الاولى تحكم على الناس بالشرك حتى لو كانوا مسلمين، بغض النظر عن الحكم على المعين، في حين ان العبارة الثانية لا تحكم على الناس بالشرك باطلاق، فلو كان المستغيث مسلماً بشهادته وتقربه الى الله لما صح ان ينطبق عليه القول الاول، ولكان يعتبر من المأولين وإن تضمن الفعل للشرك. وبحسب القول الاول يكون المستغيث المسلم بغير الله مشركاً من حيث الاصل، لكن قد يرفع عنه هذا الوصف بنوع من التأويل، وهو التمييز بين شرك المطلق وشرك المعين. فهنا ان الخطأ يرد في التزام القول الاول كما لجأت اليه السلفية، فافضى الحال اليوم الى تكفير بعض المذاهب المقابلة بالتعيين لدى العديد من هذه الجماعات.

فهذه هي نتيجة فتح باب الشبهة في حق الاخرين من المسلمين المتأولين، فلسان حالهم يقول: هل كانت ممارساتهم واحوالهم تدل على الشرك والكفر المتعين ام لا؟ بعد ان ثبت لديهم شرك وكفر المطلق او العام. فخطورة هذا الموقف تأتي عند تطبيق المنهج المذكور على امور حساسة كالشرك او الكفر مثلاً.

وزاد في الطين بلة فيما نراه اليوم من فوضى الفتاوى التي لم تتقيد بالشروط العلمية الكافية، فهي وان انتمت الى النهج البياني؛ لكنها بيانية مخلة الى غاية الحدود، الامر الذي ينطبق على فتاوى من يحملون الاعتقاد القاتل. فهي ممارسات بيانية تتميز بعدد من الركائز المخلة، كما يتضح من خلال هاتين النقطتين:

أـ عدم الكفاءة العلمية: فالذين يحملون الاعتقاد القاتل هم من الشباب الذين اصيبوا بهوس الفوضى الفتوائية او الاستنباطية لكثرة ما يختلفون حولها من دون ضوابط سوى القول العام بالرجوع الى الكتاب والسنة والسلف الصالح. فهم لم يتدربوا على النضج العلمي، فيكفيهم في ذلك الاعتماد على نصوص معينة للاقرار بالفتوى ومن ثم تنزيلها على واقع مغاير اشد التغاير عما كان عليه في الماضي. فيمكن لكل مسلم قليل التحصيل ان يصل الى ما يريده في الكتاب والسنة من دون عناء، وقد يدعم ما يريده الاستشهاد بقوله تعالى: ((هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى (ال عمران\138).. وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ (النحل\89)..)). وكثيراً ما تُستغل حال الاجتهادات التي تفضي الى خلاف الشرع او الكتاب والسنة كما يُنقل ذلك عن بعض اتباع المذهب الحنفي في إتباعهم اقوال زعماء المذهب ولو كان على حساب ظاهر النصوص من الكتاب والسنة. واشتهر قول بعض الأحناف: كل آية أو خبر يخالف قول أصحابنا يُحمل على النسخ أو التأويل أو الترجيح20. وزاد بعضهم بقوله: «لا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل، وربما أدّاه ذلك إلى الكفر، فإن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر»21.

مع انه في القبال ينقل عن بعض السلف ان تحقيق الشروط العلمية للفتوى هو في غاية الصعوبة، اذ يشترط البعض على المفتي ان يكون حافظاً لمئات الالاف من الروايات. ومن ذلك سئل ابن معين: أيفتي الرجل من مائة ألف حديث؟ قال: لا، وتكرر السؤال: من مائتي ألف.. من ثلاثمائة ألف؟ قال لا، فسئل: من خمسمائة ألف؟ فقال: أرجو22.

ب - انتقاء النصوص: حيث الاكتفاء بالتعويل على ظواهر بعض النصوص دون البعض الاخر، خلافاً لطريقة الفقهاء. وكثيراً ما يمارس الكلاميون مثل هذا النهج في القضايا الاعتقادية اعتماداً على النهج العقلي، فاصبحت الاعتقادات مرتعاً لتوارد الخاصة والعامة، العلماء والدهماء، فالكل يمارس ذات الدور، وهو الاعتماد على نوع من الادلة وترك ما يقابلها، سوى ان الفارق بين الفريقين هو ان العلماء يمكنهم تناول الادلة المعارضة والرد عليها واعتبارها من الشبهات، وهو ما لا يتمكن الدهماء من ان يفعلوا ازاءها شيئاً، فهم يكتفون بالادلة الاثباتية بمحاكاة العلماء وتقليدهم على نحو الاجمال.

وكثيراً ما يتقبل العلماء هذا الفعل الذي يقوم به الدهماء في القضايا الاعتقادية من الاستدلال بالمحاكاة والتقليد؛ لظنهم ان ذلك يكفي للتوصل الى القطع واليقين، لكنهم لا يتقبلون ذلك منهم في القضايا الفقهية، فهم يدركون ان الفقه يحتاج الى آلة الاجتهاد ولحاظ صور التعارض بين الادلة ومن ثم القيام بالترجيح فيما بينها، وهو ما لا يمكن للدهماء فعله، رغم انه لا يمكنهم فعل ذلك ايضاً على مستوى الاعتقاد وعلم الكلام23.

وبالتالي فالعمل القائم على الانتقاء هو من خاصية الدهماء او ذوي العلم الناقص، وهو الممارس اليوم لدى الصراع الطائفي، وعلى رأسهم اصحاب الاعتقاد القاتل.

2ـ مسؤولية التفكير الاسلامي وغياب الضمير الانساني

يعتبر غياب الضمير الانساني اهم العناصر التي يفتقر اليها مجمل التفكير الديني الاسلامي، سواء تعلق الامر بالمنهج البياني او بالمنهج العقلي المعياري. وهو يعبر عن غياب التفكير في الحق الانساني واعتبارات التكريم التي تلوحه، وكونه اهلاً للاحترام والتقدير كانسان وبغض النظر عن كل اعتبار اخر. فلا شيء يمكن ان يسقط عنه الاحترام والتقدير غير الجريمة الكبيرة في الفعل الذي يمارس ضد الاخرين.

لقد كان عدد من المستشرقين يتهمون الاسلام بانه خال من فكرة الضمير الاخلاقية كما تم تداولها لدى بعض الاوساط المسيحية. ومعلوم ان لدى هذه الاوساط مراكز للاعتراف الطوعي بالذنب والجريمة للتخفيف عن ازمة هذه الجوهرة المكنونة، وقد نشأت خلال القرن الثالث عشر الميلادي وما زال يُعمل بها حتى يومنا هذا. وكان البعض يستدل على غياب الضمير لدى الاسلام بخلو اللغة العربية وسائر اللغات الاسلامية الاخرى من كلمة تفي التعبير بدقة عما يُقصد من هذه اللفظة (الضمير). وهو خطأ أشرنا اليه في بعض الدراسات المستقلة24.

ان الاعتراف بملكة الضمير يتطلب قبل كل شيء الاعتراف بقيمة العقل القيمي المستقل، ونجد هذه القيمة إما انها منكرة لدى المذاهب الاسلامية، او انها معطلة الدور في العلاقة البشرية. فالعقل القيمي منحّى كلياً لدى مذهب الاشاعرة، الذي يعتبر اكبر المذاهب الاسلامية قاطبة، رغم ان فكرة مقاصد الشريعة ظهرت لدى اتباع هذا المذهب، وبحسب التحليل فان هذا الموقف المزدوج هو موقف متناقض، بل ان وسيلة الاجتهاد والاعتماد على القياس لا حجة لهما بحسب هذا الموقف ما لم يكن التوصل اليهما بطريق قطعي من جهة الشرع، وهو امر ليس بالسهل25.

ويبقى ان الاصل الذي عول عليه الاشاعرة في نفي حجية العقل القيمي، كما يتمثل في التحسين والتقبيح، يمنع تبرير قبول فكرة الضمير الانساني ما لم يتم الرجوع فيها الى الشرع ذاته، وعادة ما يختلف الفقهاء والعلماء لدى لجوئهم الى الاعتبارات الشرعية. وهي نقطة الضعف والثغرة التي لا تُسدد الا عبر الاعتماد على العقل القيمي المستقل، ومنه يمكن انتزاع فكرة الضمير لتخفيف ما يرتكبه الانسان المسلم من جرائم تتنفر منها النفوس وتستهجنها العقول.

ومع ان فكرة العقل القيمي المستقل كانت مورد اعتبار علماء الكلام خارج نطاق الاشاعرة ومن يشاركهم الرأي، الا ان فاعليتها لم تكن ضمن دائرة الحقوق البشرية المستقلة، فالجانب الميتافيزيقي يغلب عليها، بل وحتى ان هذا العقل كان منتهكاً عند ممارسة السجالات الكلامية، فالمخالف في الاعتقاد لم يكن من ذوي البشر المحترمين غالباً، وتبريرات هذا الفعل تستند الى الرواية عادة، كرواية الفرقة الناجية وسط فرق الضلال. وفي المجال الفقهي ان الرواية رغم كونها ليست دراية فانها كفيلة بأن تحطم صخرة العقل وتجعله قشة في مهب الريح. وأول من نظّر لهذا الفعل في ابطال كل ما لا يعود الى الشرع هو الشافعي عند تأسيسه لاصول الفقه، وكانت بصماته قوية لدى الفقهاء ممن جاؤا بعده، فالتعويل لدى الفقهاء في مختلف المذاهب قائم بشكل رئيسي على الرواية. ومن ثم فانها مرجحة على العقل القيمي المستقل، والشواهد على ذلك كثيرة، بل وان الرواية لدى الفقهاء الملتزمين بحجية مثل هذا العقل كافية لاقناعهم بأن لا حجية له في الاحكام بتاتاً26. وبالتالي من اين نأتي بمورد قوي للتراث لكي نثبت صلابة العقل القيمي المستقل ونؤسس عليه فكرة الضمير الانساني؟.. فالارض خصبة لاصحاب البيان سواء كانوا من اصحابه الفعليين، او ممن ارتضوا الازدواجية في الجمع بين البيان والعقل، فلم ينفعهم الاعتماد على العقل شيئاً سوى ما يتعلق بالمجادلات الميتافيزيقية.

لقد كانت نظرية ترجيح العقل على النقل عند التعارض نظرية مهمة للغاية، فهي تتأسس من منطلق كون العقل محكماً وقطعياً خلافاً للنقل الذي يتصف بالتشابه والظن. لكن مع هذا فانها مصابة بداء المفارقة والتناقض، فالذين طرحوا هذه النظرية هم ذاتهم قد انقسموا اشد الانقسام حول الاصول العقلية التي يفترض ان تكون مشتركة وقطعية. وبالتالي لا بد من طرح اخر قائم على النواحي الوجدانية الواضحة بعيداً عن الجدل الكلامي القديم. فما يهمنا بالفعل هو تفعيل دور ضمير المسلم في التزام القضايا الانسانية بشكل مستقل عن القضايا الشرعية، مثلما آلت اليه بعض الاتجاهات المسيحية، وعلى رأسها حركة لوثر الاصلاحية التي جعلت من الضمير حاكماً حتى على نص الكتاب المقدس.

فلا شيء يفوق العقل والضمير، والشرع ذاته بحاجة اليهما. ولو تخيلنا ان الشرع لا يعير اي اعتبار للعقل والضمير كيف يمكن التسليم بمثل هكذا شرع او دين؟.. فهو واضح البطلان، اذ ما يحكم بصوابه وبطلانه انما العقل ذاته لا غير. فالشيء لا يمكنه ان يقيم ذاته بذاته باستثناء العقل من خلال الرجوع الى الواضحات، وكل ما عدا ذلك انما يرجع اليها. وبالتالي فكل شرع ودين يتعارض مع الضمير الانساني هو شرع باطل تماماً. واعتقادنا بالاسلام كدين انما يأتي من منطلق كونه يدعم هذا الضمير لا ان يعارضه. ومع هذا لا نجعل الاستدلال بالشرع يتخذ الخطوة الرئيسة في الموضوع، باعتباره قد يطرح الخلافات الفقهية المعهودة رغم ركائزها الضعيفة، وكان الاولى الاعتماد على الواضحات العقلية قبل اي اعتبار اخر. ففكرة الضمير هنا تتبع ما عليه التأسيسات العقلية، وتندرج ضمن الامضاءات الشرعية من دون عكس، فهي تابعة من هذه الناحية للوجدان العقلي او لقضية الاخلاق العقلية برمتها.

وينبني على هذا الاساس ما نسميه (التدين الانساني) القائم على الضمير والمحبة والقيم الانسانية المشتركة، ويقابله (التدين العدواني) الذي يتقرب الى الله تعالى باللعن والتضليل والتكفير والقتل، حتى ان فيه من يمارس التسبيح باللعن ويعتبره من افضل العبادات، بل هو المنبع الاساس لما يسمى الارهاب. فالاخير يتغذى على هذا النمط من التدين، او هو نتاج فعل طبيعي له، وبالتالي فالحاجة تقتضي ان تكون هناك ممانعة من تغلغل هذا التدين ومقارعته فكرياً، والا فمن العبث ان نقوم بمحاربة نتائجه (كالارهاب) وتبقى اسبابها تفعل بنا ما تشاء؛ إن لم نمارس بدورنا الدعم لهذه الاسباب بلا وعي؛ فنكون كالطابور الخامس او الخلايا النائمة.

لكن ينبغي ان لا يكون النقد والمقاومة وفق ما يصاغ ضد المذهب المقابل فقط، ففي ذلك خلط للاوراق ما لا يحتاج الى بيان، لا سيما ان هذا الحال حاصل لاعتبارات ايديولوجية. بل الصحيح هو العمل على نقد الذات، بل وجلدها ايضاً، وهو ان يقوم كل منا بواحد من هذين الدورين:

أ ـ نقد توجهات هذا النمط الخطير ضمن المذهب المتبع، فهو يلازمه تقريباً، وفضح جهله وألاعيبه، مع لوم انفسنا على ما قصرنا فيه من الرضا بعقيدة فاسدة مكفرة ومضللة للعباد، الى الدرجة التي اوهمتنا بأننا ننتمي الى (شعب الله المختار) عبر مقالة الفرقة الناجية وسط فرق الضلال27.

ب ـ القيام بنقد ما يرد في المذهب المتبع وما يقابله لدى المذهب الاخر بإتزان وموضوعية، فكل ما نراه هناك نراه هنا، فالتدين العدواني متغلغل في هذا المذهب مثلما انه متغلغل في المذهب المقابل، ففي كل منهما تجد التضليل والتكفير للاخر، وكأن الله لم يهد سوى هذا المذهب المضلل والمكفر.

ولنقل ان التدين العدواني هو في حد ذاته مذهب مستشر لدى جميع المذاهب، وهو ذاته الذي يمنع من حضور ما يعارضه من التدين الانساني. وعلى الصعيد التاريخي لا نجد للتدين الاخير تياراً معتداً به، بل هناك شخصيات متفرقة هنا وهناك، واغلبهم ينتمي الى دائرتي الفلسفة والصوفية. فتكاد آثاره تغيب وسط المذاهب الكثيرة التي يتحكم فيها التدين العدواني بلا منازع.

هذا ونشير الى وجود انماط عديدة اخرى للتدين لسنا بصدد ذكرها هنا، وقد استعرضناها في محل اخر، لكن ليس فيها ما يشكل خطورة على المجتمع كالتدين العدواني، مثلما ليس فيها ما يشكل صلاحاً للمجتمع كالتدين الانساني الذي تهزه مشاعر الضمير وقيم الاخلاق العامة.

1ابن تيمية: الصارم المسلول، مكتبة موقع المشكاة الاسلامية الالكترونية: www.almeshkat.net.
2ابن تيمية: منهاج السنة، تحقيق محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، 1406هـ، ج2، ص452، عن مكتبة المشكاة الالكترونية..
3مجموع فتاوى ابن تيمية، ج13، فصل فيمن خالف ما جاء به الرسول، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com . وانظر ايضاً حول صحة الصلاة خلف المبتدع: نفس المصدر، ج23.
4مجموع فتاوى ابن تيمية، ج12، فصل في مسألة تكفير أهل البدع والأهواء .
5منهاج السنة، ج5، ص154 .
6انظر حول ذلك كتابنا: مشكلة الحديث، دار افريقيا الشرق، المغرب .
7منهاج السنة، ج5، ص154ـ157 .
8المصدر السابق، ج2، ص301 .
9نفس المصدر، ج1، ص8 .
10نفس المصدر، ج5، ص160ـ161 .
11محمد حسن النجفي: جواهر الكلام، دار احياء التراث العربي، ج22، ص61ـ62 .
12البقرة/111ـ113.
13انظر حول ذلك كتابنا: جدلية الخطاب والواقع، دار افريقيا الشرق، المغرب، الطبعة الثانية، 2012م.
14منهاج السنة، ج5، ص157ـ158 .
15الذهبي: سير اعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة للنشر، 1422هـ ـ 2001م، ج15، الطبقة الثامنة عشر، ص88، فقرة تحت عنوان: الأشعري. انظر: http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=3088&idto=3088&bk_no=60&ID=2944 .
16المولى احمد الاردبيلي: مجمع الفائدة والبرهان في شرح ارشاد الاذهان، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة، قم، ج1، ص20ـ21، عن مكتبة السراج الالكترونية: http://www.alseraj.net/maktaba/kotob/feqh/yasoob/books/htm1/m001/01/no0174.html .
17الشاطبي: الموافقات، ج 2، ص284ـ285.
18انظر حول ذلك: العقل والبيان والاشكاليات الدينية، مؤسسة الانتشار العربي، 2010م، ص417ـ419.
19محمد جمال الدين القاسمي: تفسير القاسمي، المسمى محاسن التأويل، دار احياء الكتب العربية، رقمه وخرج اياته وأحاديثه وعلق عليه محمد فؤاد عبد الباقي، ج1، ص22.
20محمد أمين بن عابدين: العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية، دار المعرفة، بيروت، ص333.
21محمد الويلتوري المليباري: هداية الموفقين إلى الصراط المستقيم، مكتبة ايشيق، استانبول، 1399هـ ـ1979م، ص65.
22الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، شبكة المشكاة الإلكترونية، ج2، فقرة 1525. وأبو الحسين بن أبي يعلى الحنبلي: طبقات الحنابلة، شبكة المشكاة الإلكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته)، ج1، مادة: الحسن بن إسماعيل بن الربعي، ومادة: الحسين بن إسماعيل.
23 للتفصيل انظر الفصل الاخير: الاجتهاد والتقليد والاتباع والنظر، دار افريقيا الشرق، المغرب، الطبعة الثالثة، 2010م.
24 انظر: نقد العقل العربي في الميزان، دار افريقيا الشرق، المغرب، الطبعة الثانية، 2009م. .
25انظر حول ذلك: فهم الدين والواقع، دار افريقيا الشرق، 2011م، ص17.
26للتفصيل لاحظ الفصل الاول: فهم الدين والواقع..
27للتفصيل حول مقالة الفرقة الناجية انظر: مدخل الى مدخل الى فهم الاسلام، مؤسسة الانتشار العربي، الطبعة الثالثة، 2012م، ص29ـ32..
comments powered by Disqus