-
ع
+

تصورات خاطئة (12) هل السنة والشيعة مشبّهة؟

يتصور الكثير خطأً أن السنة مشبهة.. مثلما يتصور الكثير خطأً بأن الشيعة مجسمة.. والحال أن فيهما المشبه والمجسم.. مثلما فيهما المنزّه. كما فيهما من هو موضع جدل إن كان مشبهاً أم لا..

فقد عُرف عن المشبهة أنهم أثبتوا لله تعالى صورة كصورة الآدمي في أبعاضها، فله وجه وفم ولهوات وأضراس ويدان وإصبعان وكف وخنصر وإبهام وصدر وفخذ وساقان ورجلان، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس. وللمشبهة مذاهب وشخصيات كثيرة، ومن بينها ما ينقل عن المفسر مقاتل بن سليمان، ومثله ما ينقل عن الشيعي داود الجواربي، فيُحكى عن الأخير أنه اعتبر معبوده جسماً ولحماً ودماً، ومع ذلك فهو جسم لا كالأجسام، ولحم لا كاللحوم، ودم لا كالدماء، وكذا سائر الصفات، وهو لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء، وهو أجوف من أعلاه إلى صدره، مصمت ما سوى ذلك، وأن له وفرة سوداء، وله شعر قطط. ونقل عنه أنه قال: «اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك»[1]. والبعض نسب القول الأخير إلى القاضي أبي يعلى الحنبلي (المتوفى سنة 458هـ)، إذ كان إذا ذُكر الله سبحانه يقول في ما ورد من ظواهر في صفاته: «الزموني ما شئتم، فإني التزمه إلا اللحية والعورة»[2]. وهو ما حفّز أبا الفرج بن الجوزي (المتوفى سنة 597هـ) لأن يؤلف كتابه (دفع شبه التشبيه) للرد على مثل هذه الآراء[3].

وهناك من اتهم المثبتين للظواهر اللفظية للصفات بأنهم من المشبهة حتى وإن قالوا بقيد عدم التشبيه والتكييف.

ويعد أبو الفرج بن الجوزي الحنبلي (المتوفى سنة 597هـ) أهم شخصية بيانية نقدت البيانيين الذين تقبلوا الظواهر اللفظية من الصفات الإلهية مع قيد (ليس كمثله شيء). ذلك أنه زيّف هذا الجمع المفتعل بين الأمرين كالذي عليه طريقة أغلب الحنابلة التي انتصر لها إبن تيمية - فيما بعد - وادعى أن السلف كانوا يذهبون إليها دون خلاف. فعلى العكس من ذلك نفى إبن الجوزي أن تكون طريقة السلف - بما فيها طريقة أحمد بن حنبل - كما تصورها المتأخرون من الحنابلة.

لقد ألّف إبن الجوزي كتابه (دفع شبه التشبيه) رداً على أصحابه من أتباع الإمام أحمد بن حنبل، فذكر في ديباجته أنه رأى من أصحابه من تكلم في الأصول بما لا يصلح، ووصفهم بأنهم صنفوا كتباً شانوا بها المذهب، إذ حملوا الصفات على مقتضى الحس. وقد كان لذلك رد فعل من قبل بعض الحنابلة المتشددين، إذ هاجمه إسحاق بن أحمد العلثي (المتوفى سنة 634هـ) برسالة طويلة شديدة اللهجة، واتهمه بالتناقض؛ لأنه ممن ينتحل مذهب السلف، ولا يرى الخوض في الكلام، ثم يقْدم على تفسير ما لم يره[4].

كما قام عدد من الحفاظ والبيانيين بالرد على المشبهة والآخذين بالظواهر اللفظية من الصفات، ووظفوا لذلك مقالات السلف وغيرهم من البيانيين الذين مارسوا التأويل. وكان من بين هؤلاء الإمام النووي والحافظ إبن حجر العسقلاني وإبن دقيق العيد وغيرهم.

ومن المذاهب التي ايدت مسلك الاخذ بالظواهر اللفظية للصفات على شاكلة ما ذهب اليه الحنابلة؛ الامام الاشعري واتباعه المتقدمون، خلافاً للاشاعرة المتأخرين حيث كانوا من المنزهين على شاكلة المعتزلة واغلب علماء الشيعة.

وفي الوسط الشيعي إن من قدماء الشيعة من كان مجسماً ومشبهاً بشهادة عدد من زعماء المذهب. وعلى ما ذكره الشريف المرتضى: ‹‹ان القميين كلهم من غير استثناء لأحد منهم إلا أبا جعفر بن بابويه بالأمس كانوا مشبهة مجبرة، وكتبهم وتصانيفهم تشهد بذلك وتنطق به››[5]. كما يعتبر هشام بن الحكم من القدماء الذي نُسب اليه القول بان الله جسم لا كالاجسام، ومن ثم قام الفيلسوف صدر المتألهين الشيرازي بتثبيت هذا القول واعطائه معنىً فلسفياً على طريقة افلوطين وفقاً لوحدة الوجود الجسمية..


[1]  الملل والنحل، ص45.

[2]  أبو محمد اليافعي الشافعي: مرهم العلل المعضلة في رفع الشبه والرد على المعتزلة (لم يكتب مكان طبعه ولا سنة نشره)، ص260 ـ261.

[3]  إبن الجوزي: دفع شبه التشبيه، مطبعة الترقي، 1345هـ، ص10 وما بعدها.

[4]  إبن رجب الحنبلي: ذيل طبقات الحنابلة، شبكة المشكاة الإلكترونية، ج2، فقرة إسحاق بن أحمد العلثي (لم تذكر ارقام صفحاته).

[5]           رسائل الشريف المرتضى، ج3، ص310ـ311. كذلك: مدخل إلى فهم الإسلام.

comments powered by Disqus